الرد على من يحرمون على أنفسهم الطيبات باسم الزهد
قال تعالى ( يا أيها الذين ٱمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا اعتدوا إن الله لا يحب المعتدين )
قال الإمام القرطبي عند هذه الٱية
المسألة الثالثة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا شَابَهَهَا وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا رَدٌّ عَلَى غُلَاةِ الْمُتَزَهِّدِينَ ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَطَالَةِ مِنَ الْمُتَصَوِّفِينَ ; إِذْ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ قَدْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِ ، وَحَادَ عَنْ تَحْقِيقِهِ ;
قَالَ الطَّبَرِيُّ : لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ طَيِّبَاتِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَنَاكِحِ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ بِإِحْلَالِ ذَلِكَ بِهَا بَعْضَ الْعَنَتِ وَالْمَشَقَّةِ ; وَلِذَلِكَ رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّبَتُّلَ عَلَى ابْنِ مَظْعُونٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي تَرْكِ شَيْءٍ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ ، وَأَنَّ الْفَضْلَ وَالْبِرَّ إِنَّمَا هُوَ فِي فِعْلِ مَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَيْهِ ، وَعَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى مِنْهَاجِهِ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ ، إِذْ كَانَ خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ خَطَأُ مَنْ آثَرَ لِبَاسَ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ عَلَى لِبَاسِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ إِذَا قَدَرَ عَلَى لِبَاسِ ذَلِكَ مِنْ حِلِّهِ ، وَآثَرَ أَكْلَ الْخَشِنِ مِنَ الطَّعَامِ وَتَرْكَ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ حَذَرًا مِنْ عَارِضِ الْحَاجَةِ إِلَى النِّسَاءِ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْخَيْرَ فِي غَيْرِ الَّذِي قُلْنَا لِمَا فِي لِبَاسِ الْخَشِنِ وَأَكْلِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ وَصَرْفِ مَا فَضُلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْقِيمَةِ إِلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً ; وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْلَى بِالْإِنْسَانِ صَلَاحُ نَفْسِهِ وَعَوْنُهُ لَهَا عَلَى طَاعَةِ رَبِّهَا ، وَلَا شَيْءَ أَضَرَّ لِلْجِسْمِ مِنَ الْمَطَاعِمِ الرَّدِيئَةِ لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِعَقْلِهِ وَمُضْعِفَةٌ لِأَدَوَاتِهِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سَبَبًا إِلَى طَاعَتِهِ ،
وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ; فَقَالَ : إِنَّ لِي جَارًا لَا يَأْكُلُ الْفَالَوْذَجَ
فَقَالَ : وَلِمَ ؟
قَالَ : يَقُولُ لَا يُؤَدِّي شُكْرَهُ ;
فَقَالَ الْحَسَنُ : أَفَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ : إِنَّ جَارَكَ جَاهِلٌ ، فَإِنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ أَكْثَرُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ فِي الْفَالُوذَجِ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا إِذَا كَانَ الدِّينُ قَوَامًا ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَالُ حَرَامًا ; فَأَمَّا إِذَا فَسَدَ [ص : 196] الدِّينُ عِنْدَ النَّاسِ وَعَمَّ الْحَرَامُ فَالتَّبَتُّلُ أَفْضَلُ ، وَتَرْكُ اللَّذَّاتِ أَوْلَى ، وَإِذَا وُجِدَ الْحَلَالُ فَحَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ وَأَعْلَى .
قَالَ الْمُهَلَّبُ : إِنَّمَا نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّبَتُّلِ وَالتَّرَهُّبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُكَاثِرٌ بِأُمَّتِهِ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَنَّهُ فِي الدُّنْيَا مُقَاتِلٌ بِهِمْ طَوَائِفَ الْكُفَّارِ ، وَفِي آخِرِ الزَّمَانِ يُقَاتِلُونَ الدَّجَّالَ ; فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْثُرَ النَّسْلُ .
الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَا تَعْتَدُوا قِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَعْتَدُوا فَتُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَالنَّهْيَانِ عَلَى هَذَا تَضَمَّنَا الطَّرَفَيْنِ ; أَيْ : لَا تُشَدِّدُوا فَتُحَرِّمُوا حَلَالًا ، وَلَا تَتَرَخَّصُوا فَتُحِلُّوا حَرَامًا ; قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ التَّأْكِيدُ لِقَوْلِهِ : تُحَرِّمُوا ; قَالَهُ السُّدِّيُّ وَعِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُمَا ; أَيْ : لَا تُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَشَرَعَ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
راجع تفسير القرطبي عند الٱية المذكورة
والله تعالى أعلى وأعلم
أد / مختار مرزوق عبدالرحيم
أستاذ التفسير وعلوم القران بكلية أصول الدين جامعة الأزهر فرع أسيوط
تعليقات
إرسال تعليق